قراءات
و أراء حول الفيلم :
وجوه ونوافذ لغة بصرية شفافة:
هذه العناصر اجدها غاية في الاهمية، اذا مارام احد قياس تجربة
واحدة من التجارب الإماراتية الشابة في المجال السينمائي، ولسنا
هنا في مجال قراءة الجهود
الذاتية من الوجهة الاحترافية، ولا نستطيع ان نقرن
تجربة الطلاب والطالبات بتجارب عالمية، ولكنا نضع الخط المشترك بين الكل على محك الفهم
والقدرة، بما توفره عناصر العمل من استيعاب وتكوين تحت منظار القراءة التي نرى
انها ضرورية، خصوصا في هذه المرحلة، وهي باكورة التكوين البصري من الناحية
العملية، خصوصا، وان تيارات مختلفة الاتجاهات والافكار، تحاول مزاحمة بعضها البعض، وفق
مصطلحات منهجية قاصرة احيانا،
ومخلوطة احيانا اخر، وبسيطة التعامل وساذجة في احيانا
ثالثة، ولكن في المحصلة نستطيع التعامل معها على انها نتاج مكان محدد، فيها
تتجلى الثقافة والشفافية والفكرة والمنحى، ولنا ان نتوقف - وان قليلا - مع واحد
من هذه النماذج، نجده ملحا،
ونجده خطيرا في طرحه، ان فهمنا مكمن الخطورة··
بين الحكاية والواقع
وجوه ونوافذ اخرجه وليد الشحي·· هل يقول هذا العمل شيئا؟!
وعن اي زاوية يسرد القول
ويسرِّيه؟! منذ ان رأيت هذا الفلم، وانا احاول ان ألملم
الكثير من الحكايات عن بداية المثقف العصامي، كيف يصنع نفسه، كيف يكون
متجاوزاً لمرحلته، وكيف يتناول في احاديثه رؤى تتجاوز سني عمره·· احفظ ذلك منذ الطفولة في
قرية الرمل البعيدة، ولكن هذا كاف لطرح العديد من الاسئلة حول ازمنة الطرح،
وكيفية ترجمة هذا الطرح، فالعمل يستند على الزمن الذي تجاوز الحلم حتى بات الحلم بعيد
المنال، فتستسلم الشخصيات الحالمة لليأس (الاب، البنت، الزوجة)، وحيث ان بؤرة
الزمن تكمن في استلال التجاوز لاخطاء الآخرين حتى لا تتكرر تركيبة العجز عن المضي نحو
المختلف (الطفل)، وكيف ان المجتمع يتفرج على اخطائه ويبررها في بعض الاحيان،
ويسخر منها في احيان آخرى · نحن،
اذن، امام حدث انساني، زمنه قديم، فاللغة، الملابس،
السلوك، طريقة تخطيط الحواري والازقة ومكانس الامكنة، الاسواق، وغيرها، كل هذه
التفاصيل والمفردات البصرية لا تحيل الى زمن محدد، بينما تعود ملابس البنت الى وضعنا
في زمن معاصر في الثمانينيات من القرن العشرين، وكأن الزمن غير مخطط اصلا· المخطط له
في الواقع هو الحكاية/الفكرة، وهناك متعة خاصة بالسرد، الجمل الطويلة
التي تعكس فلسفة لا علاقة لها باعمار الشخصيات، وكأن ذلك على وجه الدقة يتنصل من
مسؤولية (الواقع) على حساب الحكاية الانسانية التي يمكن ان تحدث في اي مجتمع ناء
عن المدينة، حسب رؤية الفلم··
لم يخدم الواقع الحكاية، بل خانها، ولم تفنِّد الحكاية الواقع،
بل غالطته، وبقي المؤلف يحاول المشي على هواية الكتابة دون
ان يجترح سوى شعور المكان
برغبته في (التحول) والاصرار عليه في شخص (الطفل)·· هل
هذا يكفي لبنية فيلم؟!
الاجابة تعود الى الكاتب إن اراد··
سردية التضخيم
لا ادري لم على اطفال الاطراف أن يكونوا اكثر ذكاء من ابناء المراكز وفق
مقارنة ثقافية استدلالية عالية
المستوى، ولا ادري ايضا لم علينا تصديق ذلك، ان (بؤساء)
فكتور هو جو نماذج من الواقع الاجتماعي، ولا يختلف الواقع هنا بين المدينة
والقرية، او البداوة والحاضرة،
او الحضارة والتخلف، فالكل في سفينة واحدة، ما دام
الظلم له مصدر متسلط! بيد ان الفيلم يحاول ان يقيم الافراد من زاويتين، قدرة الطفل
على ان يقدم دورا كبيرا وتعلق عليه آمال الفيلم، ونجح الطفل في ذلك، كمسار خارجي،
وقدرة الطفل على تكرار ببغاوي لما كتب في (بؤساء) هو جو·· ما هي الدلالة الواصلة بين
الاثنين؟! كنت اتمنى ان ارى مقاربات نفسية لافراد، وازمنة افراد، وزمن حدث، ولكن
ذلك لم يحدث، فالطفل تم تضخيمه الى حد الاستهلاك، والحدث اكبر منه في مكان له ارثه
الطبيعي حضاريا (بوصف المكان الذي اتى منه العمل وهو رأس الخيمة)، ولكن الاسقاط على
الرغم من واقعيته المحالة الى متكون ثقافي، الا انها ضعيفة فنيا، فهي لم تحبك
بصورة جيدة، وظل الطفل عبقري الاداء، يردد مالا يفهمه، بينما يحمل في عينيه تساؤلات،
هل هذه التساؤلات تكفي؟!
أهي سيرة مبطنة لشيء ما؟! لم يتبيَّن ذلك في السرد··
معالجات فنية
على الرغم مما وقعنا عليه في هذا الفيلم من هنات توزعت هنا وهناك
بحسب ما اوردناه في المحاور
السابقة، الا انه يبقى مثيرا للعديد من الاشكالات،
خصوصا في الالتفات الى بعض النقاط الجوهرية في السلوك والثقافة الاجتماعيين، فلا
تزال مفاصل الخطاب الشعبي تأثيرا وتأثرا لتأكيد سلطة الرجل على المرأة ماثلة، في
الوقت الذي رأينا فيه توازن السلطة بين الرجل والرجل، وان كان الاخير توازنا يميل
في رجحان كفته مرة للغالب،
ومرة للمغلوب، على ان ذلك كان كثير التقلب، ولم نر منه
الا اشاراته التي اسقطها الكاتب على سلوك الرجل مع زوجته، وعلامات ذلك في حوار
بين رجلين في السوق··
تكاملت العديد من العناصر للتعامل - بصريا - مع القضية
المطروحة في الفيلم، وكان ان توزعت على ميراث المكان من الذاكرة
الشعبية، فالجن ارضيون، ذوو
اشكال غريبة، يقيدهم ذكر الله والقرآن، وهم مضرون، هذا
ما رأيناه حول السارية الواقعة امام الغرفة التي سجنت فيها الزوجة لان جنيا
سكن جسدها وحل فيه، وهناك الكثير من الاشارات الى الاشجار التي يخافها الناس
لانها مسكونة حسب الذاكرة الشعبية، وتمت الاشارة اليها بهذا الوصف الغريب
اِشْيَرَهْ أُمْ يِدِعْ مَحْروقْ
فهي غير محددة بالاسم، وانما معروفة بالصفة الخارجية،
على عكس الكائنات الاخرى غير المرئية، فهي معروفة الاثر وغير
معروفة الصفة الا بشكل تقريبي··
وكان تصعيد
القهر الاجتماعي وتوازنه متوفرا في الفيلم، الامر الذي
برزت فيه خلاصة العلاقات القديمة، وهي ميل الاحفاد الى الجدات والعكس·· هل تكون
تلك السلوكيات هروبا ام محبة؟! الامر يحتاج الى بعض التحليل النفسي في هذه
الحالة··
عبدالله الشعيبي ..
صحيفة الإتحاد
11-6-2003
|